أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

262

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

في الدّنيا ، فكيف جاء قوله : « قُلْ : هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا » ، وهذا مؤذن ظاهرا بعدم الشركة ؟ قلت : قد أجابوا عن ذلك من أوجه ، أحدها : أن في الكلام حذفا ، تقديره : قل : هي للّذين آمنوا ولغيرهم في الحياة الدنيا ، خالصة لهم يوم القيامة ، قاله أبو القاسم الكرماني وكأنه دل على المحذوف قوله بعد ذلك : « خالِصَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ » ، إذ لو كانت خالصة لهم في الدارين لم يخصّ بها إحداهما . والثاني : أن « لِلَّذِينَ آمَنُوا » ليس متعلّقا بكون مطلق ، بل بكون مقيد ، يدل عليه المعنى ، والتقدير : قل : هي غير خالصة للّذين آمنوا ، لأن المشركين شركاؤهم فيها ، خالصة لهم يوم القيامة ، قاله الزمخشري . ودل على هذا الكون المقيد مقابله ، وهو قوله : « خالِصَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ » . الثالث : ما ذكره الزمخشري ، وسبقه إليه التبريزي ، قال : فإن قلت : هلا قيل : للّذين آمنوا ولغيرهم ؟ قلت : التنبيه على أنها خلقت للذين آمنوا على طريق الأصالة ، وأن الكفرة تبع لهم ، كقوله تعالى : وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا « 1 » . وقال التبريزي : « ولم يذكر الشركة بينهم وبين الذين أشركوا في الدنيا ، تنبيها على أنه إنما خلقها للذين آمنوا بطريق الأصالة ، والكفار تبع لهم ، ولذلك خاطب المؤمنين بقوله : هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً « 2 » . وهذا الثالث في الحقيقة ليس جوابا ثالثا ، إنما هو مبيّن لحسن حذف المعطوف وعدم ذكره مع المعطوف عليه . [ سورة الأعراف ( 7 ) : الآيات 33 إلى 37 ] قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ ( 33 ) وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ ( 34 ) يا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي فَمَنِ اتَّقى وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ( 35 ) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْها أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ ( 36 ) فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ أُولئِكَ يَنالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتابِ حَتَّى إِذا جاءَتْهُمْ رُسُلُنا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قالُوا أَيْنَ ما كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قالُوا ضَلُّوا عَنَّا وَشَهِدُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كانُوا كافِرِينَ ( 37 ) قوله : ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ . تقدم في آخر السورة قبلها « 3 » . وقوله : « وَالْإِثْمَ » الظاهر أنه الذّنب . وقيل : هو الخمر هنا ، قاله الفضل ، وأنشد : 2201 - نهانا رسول اللّه أن نقرب الزّنا * وأن نشرب الإثم الّذي يوجب الوزرا « 4 » وأنشد الأصمعي :

--> ( 1 ) سورة البقرة ، آية ( 126 ) . ( 2 ) سورة البقرة ، آية ( 29 ) . ( 3 ) آية ( 151 ) من سورة الأنعام . ( 4 ) انظر البحر ( 4 / 292 ) ، روح المعاني ( 8 / 112 ) .